السيد كمال الحيدري

204

أصول التفسير والتأويل

هو معنى نفيه تعالى العلم المرضىّ والتذكّر الصحيح عن غير أهل التقوى ؟ الجواب : اعتبار القرآن التقوى في جانب العلم ممّا لا ريب فيه ، غير أنّ ذلك ليس لجعل التقوى الذي معه التذكّر طريقاً مستقلًا لنيل الحقائق وراء الطريق الفكري العقلي الذي يتعاطاه الإنسان تعاطياً فطرياً ، إذ لو كان الأمر على ذلك للغتْ جميع الاحتجاجات الواردة في الكتاب على الكفّار والمشركين وأهل الفسق والفجور ممّن لا يتبع الحقّ ولا يدرى ما هو التقوى والتذكّر ، فإنّهم لا سبيل لهم على هذا الفرض إلى إدراك المطلوب وحالهم هذا الحال ، ومع فرض تبدّل الحال يلغو الاحتجاج معهم ، ونظيرها ما ورد في السنّة من الاحتجاج مع شتّى الفرق والطوائف الضالّة ، بل اعتبار التقوى لردّ النفس الإنسانية المدركة إلى استقامتها الفطرية . توضيح ذلك : إنّ جميع الأعمال والأفعال الصادرة عن الإنسان ، إمّا من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل والشرب واللبس وغيرها ، وهى الأفعال الصادرة عن المبدأ الشهوى ، وإمّا من قبيل الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرّة كدفاع الإنسان عن نفسه وعِرْضه وماله ونحو ذلك ، وهذه الأفعال هي الصادرة عن المبدأ الغضبى . وإمّا من الأعمال المنسوبة إلى التصوّر والتصديق الفكري كتأليف القياس وإقامة الحجّة وغير ذلك ، وهذه الأفعال صادرة عن القوّة النطقية الفكرية . ولمّا كانت ذات الإنسان كالمؤلّفة المركّبة من هذه القوى الثلاث التي باتّحادها وحصول الوحدة التركيبية منها تصدر أفعال خاصّة نوعية ، ويبلغ الإنسان سعادته التي من أجلها جعل هذا التركيب ، وإذا كان كذلك كان تمايل الإنسان إلى قوّة من القوى واسترساله في طاعة أوامرها والانبعاث إلى ما تبعث إليه ، يوجب طغيان القوّة المطاعة واضطهاد القوّة المضادّة لها